اقلام حرة

العراق هو كركوك وكركوك هي العراق

 أياد السماوي
الجمعة 23 أكتوبر 2009
 



صوت الشبك_ من اياد السماوي 24_10_2009

يبدو أن الصراع السياسي الحاد والمناقشات الساخنة الدائرة الآن حول قانون الانتخابات الجديد ’ وتصاعد حمى الانتخابات عجلت بشكل مبكر بملف مدينة كركوك

ورفعت إلى السطح هذا الملف الشائك والمعقد , بحيث أصبحت هذه القضية الآن هي قضية الوطن العراقي برمته , فحل فهذه القضية المعقدة والشائكة تتوقف عليها وحدة البلد أرضا وشعبا ومستقبل نظامه الديمقراطي .
فالجميع يعلم أن الأكراد في العراق يطالبون بضم هذه المدينة إلى خارطة كردستان منذ أيام المرحوم الملا مصطفى البارزاني , ويعتبرونها جزءا لا يتجزأ من أرض كردستان الكبرى . وبسبب هذه القضية اندلع التمرد الكردي عام 1974 والذي انتهى بتوقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران .
بيد إن المطالبات الكردية بهذه المدينة الغنية بالنفط عادت مرة أخرى إلى الواجهة بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 وما تمخضت عنه هذه الحرب بهزيمة النظام القائم آنذاك , وقيام منطقة الحماية من قبل قوات التحالف الدولية ومجلس الأمن الدولي .
وقد حدد مجلس الأمن الدولي الحدود الجغرافية لهذه المنطقة بالخط الأزرق والذي اعتبره حدودا نهائية للمناطق ذات الأغلبية الكردية .
فرسم هذا الخط الأزرق من قبل مجلس الأمن الدولي ودول التحالف لم يأتي اعتباطا بل تم على أسس ومعطيات تاريخية وجغرافية وديموغرافية . وقد تمت الموافقة عليه من قبل جميع الأطراف المعنية بهذه القضية آنذاك , فقد وافقت عليه الحكومة التركية والحكومة العراقية مرغمة وكذلك القيادات الكردية متمثلة بمسعود البارزاني وجلال الطالباني , وعلى هذا الأساس وافقت الحكومة التركية بجعل قاعدة أنجرلك الجوية قاعدة تنطلق منها الطائرات الأمريكية لحماية هذه المنطقة والمسماة بمنطقة الحظر الجوي .
وحينها لم تكن كركوك ضمن هذا الخط ولا باقي المناطق المتنازع عليها والتي يدعي الأكراد بعائديتها إلى كردستان , ولو كانت مدينة كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها ذات أغلبية سكانية كردية فما الذي منع مجلس الأمن الدولي وقوات التحالف الدولية من ضمها إلى منطقة الحماية الدولية والتي أقامها المجتمع الدولي ؟ وهل يعقل أن الحكومة التركية ستوافق على مثل هذا القرار وتجعل من قاعدة أنجرلك الجوية قاعدة لحماية هذه المنطقة من القوات العراقية , دون التأكد والتيقن من أن كركوك غير معنية بهذا القرار ولا تقع ضمن منطقة الحماية الدولية ؟ وعلى هذا الأساس وجدت منطقة الحماية الدولية والتي أصبحت بعد ذلك كونفدرالية كردستان .
فالأحزاب الكردية التي قويت شوكتها بسبب هذه المنطقة المحمية من قبل المجتمع الدولي بدأت من جديد العزف على نغمة كركوك والادعاء بعائديتها إلى كردستان , وأصبح القادة الكرد يتحدثون عنها بأنها عروس كردستان وقدس الأقداس , بل وصل بهم الأمر لدرجة التهديد بالحرب إذا لم تلحق هذه المدينة بخارطة كردستان .
فالأحزاب الكردية استطاعت أن تقيم لها إدارة بعيدة عن سيطرة الحكومة المركزية في بغداد , والذي ساعدها بذلك انسحاب الحكومة من منطقة كردستان .
هذا الوضع الاستثنائي وما تلاه بعد سقوط النظام البعثي في العراق مهد للأحزاب الكردية وضعا مكنها من فرض أجندتها السياسية المتطرفة وخصوصا فيما يتعلق بمدينة كركوك موضع النزاع . وقد ساعدهم على ذلك الظروف التي مر بها البلد والاقتتال الطائفي بين الشيعة والسنة والذي غذته أطرافا لا أستبعد أن يكون للأحزاب الكردية دورا في هذا الاقتتال الطائفي .
في مثل هذه الظروف المعقدة والاستثنائية توفرت أجواء مناسبة ومثالية لهذه الأحزاب الكردية أن تقيم نظاما كونفدراليا منفصلا تماما عن النظام القائم في بغداد .
وبدأت أصوات المطالبة بضم كركوك على خارطة كردستان ترتفع من جديد ولكن هذه المرة بصوت عال ومرتفع ومصحوبا بالتهديد باستخدام القوة في كثير من الأحيان . مستندة بذلك إلى فرض سياسة الأمر الواقع ومستفيدة من ضعف الدولة الناتج بسبب الصراع الدامي بين الشيعة والسنة هذا الصراع الذي لولاه لما تصاعدت حمى الانفصال عن الوطن من قبل هذه الأحزاب السياسية . ودستور إقليم كردستان شاهدا حيا على ما نقول , فهذا الدستور وضح بشكل جلي حقيقة المساعي القومية الانفصالية التي يسعى لها الانفصاليون الكرد .
واليوم يسعى الأكراد بكل ما لديهم من قوة لفرض واقع جديد على هذه المدينة المنكوبة والتي ابتليت بالسياسات العنصرية والشوفينية والتي تهدف إلى تغير الطبيعة الديموغرافية لهذه المدينة , فمن سياسة التعريب البعثية إلى سياسة التكريد البارازانية , هذه السياسة التي فاقت حدود العقل والمنطق وأصبحت تهدد بشكل جدي وحدة الوطن واستقلاله .
فأي منطق وأي غيرة وطنية تقبل بسجلات للنفوس يزداد فيها السكان بنسبة 130% خلال تسعة اشهر فقط ؟ وأي منطق سيقبل بأن نسبة الأكراد في مدينة كركوك أصبحت سبعين بالمائة بعد أن كانت لا تتعدى أل 32% في عام 1957 وحسب ما موثق في سجلات الدولة الرسمية .
والأخطر من هذا كله رفض الأكراد لأي وضع خاص لهذه المدينة وسعيهم لإجبار لبرلمان العراقي القبول بالتغيير الديموغرافي الذي أحدث بعد عام 2004 . لأن القبول بهذه السجلات المزورة الآن يعني التنازل عن مدينة كركوك قلب العراق إلى دولة كردستان الكونفدرالية .
إن الوطن العراقي اليوم يمر بمخاض عصيب قد يؤدي لا سامح الله لكوارث لا تحمد عقباها وقد تدمر كل المنجزات التي تحققت للشعب العراقي على صعيد بناء العراق الديمقراطي الجديد , ولهذا فلا بديل أمام الشعب العراقي ممثلا ببرلمانه إلا برفض كل هذه السجلات المزورة والوقوف سدا منيعا أمام كل هذا الشحن القومي الكردي المتطرف .
وأقولها صراحة إن الشعب العراقي لن يغفر لكم يا مجلس النواب العراقي أي تنازل من شأنه أن يؤدي إلى خدش عراقية مدينة كركوك .
وأرجوا أن يعلم الجميع أن العراق هو كركوك وكركوك هي العراق .
 

أياد السماوي / الدنمارك

 

 

الى فهرست المقالات